الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

448

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

طيفا . . أو خيالا . . فلا أثر ولا خبر . فالقرآن في هذا الصدد يشرح حال الدنيا وحال الآخرة ، مبينا أن الحياة الدنيا هي نوع من الانشغال واللعب يجتمع الناس فيها وينشدون إلى تصورات قلوبهم وأنفسهم ، وبعد أيام يتفرقون ويختفون تحت التراب ، ثم يطوى كل شئ ويغدو في سلة النسيان . أما الحياة الحقيقية التي الأفناء بعدها ، ولا ألم فيها ، ولا قلق ولاخوف ولا تضاد ولا تزاحم ، فهي الحياة الآخرة فحسب . . . لو كان الإنسان يعرف ذلك ، وكان أهلا للتدقيق والتحقيق ! أما الذين تعلقت قلوبهم بهذه الحياة ، وفتنوا برزقها وزخرفها وزبرجها ، ويأنسون بها ، فهم أطفال لا غير وإن امتدت أعمارهم سنين طويلة . وينبغي الالتفات إلى أن المراد من " الحيوان " على زنة " خفقان " هو الحياة ، فهذه الكلمة تحمل معنى مصدريا ( 1 ) . . وهذا التعبير وإن الدار الآخرة لهي الحيوان إشارة إلى أن الحياة الحقيقية هي في الأخرى ، لا في هذه الدار الدنيا - فكأن الحياة في الأخرى تفور من جميع أبعادها ، ولا شئ هناك إلا الحياة . وبديهي أن القرآن لا يريد أن ينسى وينفي مواهب الله في هذه الدار الدنيا ، بل يريد أن يجسد قيمة هذه الدنيا بالقياس إلى الأخرى قياسا صريحا وواضحا . . . وإضافة إلى كل ذلك فإنه ينذر الإنسان لئلا يكون أسيرا لهذه المواهب ، بل ينبغي أن يكون أميرا عليها ، ولا يؤثرها على القيم الأصيلة أبدا . وفي المرحلة الثالثة . . . يتجه القرآن نحو الفطرة والجبلة الإنسانية ، ونحو تجلي نور التوحيد في أشد الأزمات في أعماق روح الإنسان ، وضمن مثال بديع جدا وبليغ فيقول : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم

--> 1 - أصل الكلمة مشتق من " حيي " ومصدرها " حييان " ثم أبدلت الياء الثانية واوا فصارت حيوان .